وقفة تأمل في الأحرف المقطعة بفواتح بعض سور القرآن الكريم
بقلم: محمد صادق أمين
حين نراجع التفاسير على اختلاف تصنيفاتها ومدارسها، نجد أن العلماء قالوا في الاحرف المقطعة بفواتح السور أقولا شتى، ولعلها من أكثر مباحث القرآن التي وردت فيها الاقوال تنوعا وتعددا وتوسعا، ويمكننا ان نربطها جميعها بمقولة وردت في ختام جميع الاقوال التي نطق بها أهل العلم وهي (والله اعلم بمرادها).
وهذه العبارة المجمع عليه تفتح الباب مواربا على إمكانية النظر في مقاصدها ودلالاتها وحكمها إلى قيام الساعة، فقد يأتي متأمل من المتأخرين، فيقول فيها قولا لم يدرك كنهه الأولين {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.
وقد يطرأ على علم البشر حادث جديد من التقدم والتطور والرقي في باب من أبواب العلوم الدنيوية، فيوفر ذلك مفتاحا إضافيا في الوصول الى تفسيرات وأفهام جديدة بخصوصها، ويوصل للمزيد من التفقه بمرادات الله فيها.
لعل هذا يعلل لنا سبب عدم تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن في حياته، فلو فعل لأصبح النص وتفسيره توقيفيا، ولامتنع النظر والتأمل والتحصيل من كتاب الله الكريم، ولحرمة الأجيال المتعاقبة من كنوز النظر والتفسير والتأويل التي أثرت الأمة بالمسائل والمعالجات الفقهية التي عالجت مستحدثات حياة البشر على مدار القرون الماضية.
تأمل إحصائي
وقد اسعفنا علم الإحصاء ببعض الأدوات التي تساعد في الوصول الى بعض مفاتيح الفهم ومنها؛ فلو نظرنا الى الحروف المقطعة لوجدنا أن الباري عزوجل أختار أربعة عشر حرفًا فقط من ثمانية وعشرون حرفا هي مجموع حروف الابجدية العربية.
وحين نتأمل نجد أن هذا الاختيار يعكس نمطا رياضيا دقيقا، ويحمل معاني إعجازية عميقة، ويؤكد أن القرآن ليس مجرد نص لغوي، بل هو منظومة متكاملة من المعاني والأسرار الرياضية واللغوية المتوازنة.
-حروف الأبجدية العربية 28 هي:
*أ – ب – ت – ث – ج – ح – خ – د – ذ* – ر – ز – س – ش – ص – ض – ط – ظ – ع – غ – *ف – ق – ك – ل – م – ن – ه – و- ي.*
-ونلاحظ ان الله تعالى وضعها في فواتح السور على نحو عددي معجز، حيث قسّمت الى ثلاث أقسام، أول تسعة أحرف، وآخر تسعة أحرف، وما بين القسمين عشرة أحرف، فلو تأملناها لوجدناها رتبت على النسق التالي:
-في الحروف التسعة الأولى لم يختر القران منها إلا حرفين هما: الألف والحاء.
*أ* – ب – ت – ث – ج – *ح* – خ – د – ذ
-وفي الحروف التسعة الأخيرة اختار القران سبعة منها وترك اثنين على عكس السبعة الاولى، هما الفاء والواو:
*ف* – ق – ك – ل – م – ن – ه – *و* – ي.
-وفي العشرة التي بالوسط أخذت فواتح القرآن منها الأحرف غير المنقوطة، وتم ترك الاحرف المنقوط: *ر -س- ص- ط- ع*
*ر* – ز – *س* – ش – *ص* – ض – *ط* – ظ – *ع* – غ
-ثم يأتي بها القران الكريم على نسق عددي متباين في استخدامها بفواتح السور:
تأتي بحرف واحد في بعض فواتح السور مثل: ص، ق
ومرة تأتي بحرفين مثل: حم
ومرة تأتي بثلاثة أحرف، مثل: الم
ومرة تأتي بأربعة أحرف مثل: المر
ومرة تأتي بخمسة أحرف مثل: حمعسق، كهيعص
-توزيع الأحرف عدديا حسب السور
يبلغ عدد السور التي تبدأ بالحروف المقطعة تسع وعشرين سورة هي كالتالي:
– سور افتتحت بحرف واحد:
. سورة ص: وتبدأ بقوله تعالى: (ص)
. سورة ق: وتبدأ بقوله تعالى: (ق)
. سورة القلم: وتبدأ بقوله تعالى: (ن)
-سور افتتحت بحرفين:
. سورة غافر: وتبدأ بقوله تعالى: (حم)
. سورة فصلت: وتبدأ بقوله تعالى: (حم)
. سورة الزخرف: وتبدأ بقوله تعالى: (حم)
. سورة الدخان: وتبدأ بقوله تعالى: (حم)
. سورة الجاثية: وتبدأ بقوله تعالى: (حم)
. سورة الأحقاف: وتبدأ بقوله تعالى: (حم)
. سورة يس: وتبدأ بقوله تعالى: (يس)
. سورة النمل: وتبدأ بقوله تعالى: (طس)
. سورة طه: وتبدأ بقوله تعالى: (طه)
-سور افتتحت بثلاثة أحرف:
. سورة البقرة: وتبدأ بقوله تعالى: (ألم)
. سورة آل عمران: وتبدأ بقوله تعالى: (ألم)
. سورة يونس: وتبدأ بقوله تعالى: (ألر )
. سورة هود: وتبدأ بقوله تعالى: (ألر)
سورة يوسف: وتبدأ بقوله تعالى: (ألر )
. سورة العنكبوت: وتبدأ بقوله تعالى: (ألم)
. سورة الروم: وتبدأ بقوله تعالى: (ألم)
. سورة لقمان: وتبدأ بقوله تعالى: (ألم)
. سورة السجدة: وتبدأ بقوله تعالى: (ألم)
. سورة ابراهيم: وتبدأ بقوله تعالى: ( ألر)
. سورة الحجر: وتبدأ بقوله تعالى: (ألر)
. سورة الشعراء: وتبدأ بقوله تعالى: (طسم)
. سورة العنكبوت: وتبدأ بقوله تعالى: (ألم)
. سورة الروم: وتبدأ بقوله تعالى: (ألم)
. سورة لقمان: وتبدأ بقوله تعالى: (ألم)
– سور افتتحت بأربعة أحرف:
. سورة الأعراف: وتبدأ بقوله تعالى: (ألمص)
سورة الرعد: وتبدأ بقوله تعالى: (ألمر )
– سور افتتحت بخمسة أحرف:
. سورة مريم: وتبدأ بقوله تعالى: كهيعص
. سورة الشورى: وتبدأ بقوله تعالى: (حم) (1) (عسق)(2)
-أبعاد ودلالات للحروف المقطعة
. إعجاز لغوي وبلاغي
الحروف المقطعة تعد من مظاهر الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم. إذ أنها جاءت لتضفي على النص طابعا مميزا وجمالا بلاغيا خاصا، فهي تثير انتباه القارئ أو السامع وتحفزه على التأمل في معاني القرآن. وبعض العلماء يعتبرون أن هذه الحروف تستخدم لجذب الانتباه وتركيز الفكر على محتوى السورة، فكتاب الله جاء معجزة أسلوبية بلاغية، والأمة التي نزل بلغتها معروفة بالفصاحة والبلاغة، وقد تحداهم القران بتوليد نص يأتي على غرار أسلوبه البياني لكنهم لم يتمكنوا، مع أن الله جاء به بلغتهم وبنفس حروفهم وتعبيراتهم، وهو ما طرح وجها من وجوه الإعجاز، فالله سبحانه وتعالى هو المتكلم بالقرآن وهو الذي صاغه وتكلم به من ذات الحروف التي أعجزت أصحابها عن الاتيان بمثله.
. تأثير إيقاعي
من الناحية الصوتية، تتميز هذه الحروف بإيقاعها الخاص الذي يساعد في جذب انتباه القارئ أو المستمع، ولها أثر في نفس المتلقي، فالتأثير الصوتي لهذه الحروف قد يكون له دور في تعزيز تأثير السورة على من يقرأ، مما يعكس جزءا من الإعجاز البلاغي.
. تكرار الحروف وتنوع المعان:
من خلال التحليل الإحصائي، يمكن ملاحظة أن هناك توزيعا دقيقا لهذه الحروف في السور المختلفة. فمثلاً، نجد أن حرف „ألف“ يظهر في العديد من السور المبدوءة بـ „ألم“ وهو يتكرر بشكل كبير في السور التي تحمل مواضيع توحيدية أو تشريعية، مثل سورة „آل عمران“ وسورة „البقرة“.
حروف مثل „كهيعص“ أو „حمعسق“ تستخدم في السور التي تتضمن تأكيدا على قدرة الله وعظمته، هذا التوزيع يفتح المجال لدراسة العلاقة بين الحروف المقطعة والمفاهيم الرئيسية التي تقدمها السور القرآنية.
-ختاما
منذ نزول القرآن، حاول العديد من العلماء والمفسرين، كابن عباس أن يفسروا معاني هذه الحروف، ولكن بقي تفسيرها مفتوحا لكل الأجيال، وتفتح المجال أمام التأويلات المتعددة والتأمل، وهي جزء من ظاهرة الإعجاز الذي لا يستطيع البشر تفسيره بالكامل.