عظمة القرآن في القرآن-4- وحي يوحى
بين الله سبحانه وتعالى صفات المتقين الذين يهتدون بالقرآن، بأنهم: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (البقرة: 4).
فما هو الذي أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إنه القرآن الكريم، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف: 2).
وقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة: 185).
هذا القرآن المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو وحي من الله تعالى، وقد أقسم الله جل جلاله على ذلك فقال: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11)} (النجم 1-11).
فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن لينطق بهذا القرآن عن هواه أو من تلقاء نفسه، بل هو وحي من الله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}. أوحاه بواسطة أمين الوحي جبريل، حيث قال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}. يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه عَلَّمه الذي جاء به إلى الناس { شَدِيدُ الْقُوَى } ، وهو جبريل، عليه السلام، كما قال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [ التكوير: 19 -21 ] [1].
قال تعالى: {نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} (الشعراء: 193- 194).
والوحي في لغة العرب[2]: الكلام الـخَفِـيُّ وكلُّ ما أَلقـيته إِلـى غيرك، أو هو الإعلام الخفي السريع، ويكون بالإشارة أو الكلام أو الكتابة أو الإلهام بالخواطر أو الغريزة.
وقد ورد في القرآن بمختلف هذه المعاني.
أما عند علماء التفسير وعلوم القرآن، فالوحي له إطلاقات متعددة منها:
- إعلام الله نبيَّه بما يريد أن يبلغه للناس من شرع أو كتاب بواسطة أو بغير واسطة.
- ما ينزله الله على أنبيائه ويطلعهم عليه من أمور الغيب، سواء كان في كتاب كالقرآن أو غيره.
ويشمل هذين النوعين: قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} (النجم: 10).
وهذا الوحي يكون بطريق الكلام المباشر أو بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام، أو بالرؤيا المنامية أو بالإلهام.
وقد سأل الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: „أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ“ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا[3].
وكون القرآن الكريم وحياً من الله تعالى يقتضي منا عدة أمور، منها:
- الإيمان الجازم بأنه كلام الله، وأنه محفوظ منه سبحانه، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9)، وهذا يعطي المؤمن ثقة بما بين يديه من القرآن الكريم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
- التعظيم الكامل لكلام الله تعالى، فهو من تعظيم الله تعالى، وهو من مقتضيات الإيمان بالله تعالى.
- أن يكون منهاج حياة لنا كمسلمين في كل شأن من شؤوننا؛ لأن الله تعالى بين الغاية منه بقوله: {طه. مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} (طه: 1-3).
- أن نخدم هذا القرآن الكريم؛ لأننا بخدمته ننال الشرف في الدارين بإذن الله تعالى، وخدمته تكون بالتعلم والتعليم، والدفاع والنشر والتفسير والترجمة وإيصال رسالته للعالمين.
- طاعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أوامره وحي بنص القرآن الكريم، وقد جعل الله سبحانه طاعة النبي من طاعته، فقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (النساء: 80)، والنبي صلى الله عليه وسلم جاءه الوحي ليبعث الروح في هذه الأمة، ويهديها إلى صراط الله المستقيم، قال تعال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: 52).
الدكتور محمد محمود حوا