التوجيهات التربوية المستنبطة من الإسراء والمعراج: الشيخ محمد العوامي

الإسراء والمعراج حادثة عظيمة اختص الله بها نبيه محمدًا ﷺ ليكرمه ويرفع من قدره، وليرسّخ الإيمان في قلوب المؤمنين. ورغم الاختلاف في تحديد وقتها بدقة، فإنها تظل واحدة من أعظم معجزات النبي ﷺ، بما تحمله من دروس عظيمة ودلالات تربوية عميقة للمسلمين في كل زمان ومكان.

قال الله تعالى:

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء: 1).

من هذا الحدث، نستنبط دروسًا تربوية عظيمة تعمّق الإيمان، وتوجه المسلم في حياته.

1. أهمية التوحيد وإفراد الله بالعبادة: رحلة الإسراء والمعراج تعمّق معنى التوحيد، حيث عرج النبي ﷺ إلى السماوات العليا ووصل إلى سدرة المنتهى، وهي مكان لا يصل إليه أحد إلا بإذن الله، مما يدل على عظمة الله ووجوب إخلاص العبادة له وحده.

● يجب ترسيخ عقيدة التوحيد في نفوس الأبناء، وبيان أن الله هو الإله الواحد الذي يستحق العبادة وحده دون شريك.

2. الإعداد النفسي لتحمل الشدائد: وقعت حادثة الإسراء والمعراج بعد عام الحزن، الذي فقد فيه النبي ﷺ خديجة رضي الله عنها وأبا طالب، وبعدما تعرض للأذى في الطائف. كانت هذه الرحلة تكريمًا وتثبيتًا له، ليكون مستعدًا لمواجهة التحديات القادمة.

● الحياة مليئة بالشدائد، وعلى المؤمن أن يصبر ويستعين بالله، ويوقن أن الفرج قريب، كما قال تعالى: „فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا“ (سورة الشرح: 6).

3. مكانة المسجد الأقصى في العقيدة الإسلامية: ذكر المسجد الأقصى في الآية يدل على مكانته الروحية والتاريخية في الإسلام، حيث كان قبلة المسلمين الأولى ومسرى النبي ﷺ.

● يجب غرس حب المسجد الأقصى في قلوب المسلمين، وتعليم الأبناء تاريخه وأهميته، وربطهم بقضية الأمة الإسلامية الأولى.

4. الرفقة الصالحة وأثرها: أثناء المعراج، التقى النبي ﷺ بالأنبياء، وكان لكل منهم نصيحة أو توجيه له، مما يدل على أهمية الاستفادة من تجارب الصالحين.

أيضا حادثة الإسراء والمعراج كانت اختبارًا لإيمان الصحابة. كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه نموذجًا رائعًا للتصديق الكامل والثقة في رسول الله ﷺ. عندما أخبره كفار قريش بأن محمدًا ﷺ يدّعي أنه أُسرِي به وعرج به إلى السماء، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ

أخرجه الحاكم، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) واللفظ لهما، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة))

● يجب أن تقوم العلاقات بين المؤمنين على أساس الصدق والثقة المتبادلة، كما يجب أن يُربى الأبناء على التصديق الكامل بما جاء به القرآن والسنة.

● والتربية على اختيار الرفقة الصالحة التي تذكر بالله وتعين على الطاعة، كما قال ﷺ: „مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير“ (رواه البخاري ومسلم )

5. أهمية الصلاة: كانت الصلاة العبادة الوحيدة التي فُرضت في السماء مباشرةً دون واسطة، مما يدل على عظم مكانتها. قال ﷺ: „خَمسُ صَلَواتٍ كَتَبهنَّ اللهُ على العبادِ، فمن جاء بهنَّ لم يُضَيِّعْ منهنَّ شَيئًا استِخفافًا بحَقِّهنَّ، كان له عند الله عَهدٌ أن يُدخِلَه الجنَّةَ، ومن لم يأتِ بهنَّ فليس له عند اللهِ عَهدٌ؛ إن شاء عَذَّبه، وإن شاء أدخَلَه الجنَّةَ

“ (رواه أبو داود واللفظ له، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد).

● الصلاة ليست مجرد عبادة بل هي صلة بين العبد وربه، وهي مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة. وقد أشار الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين (ج1، ص201-205) إلى سبع مراحل يمر بها المصلي، تبدأ من „مرحلة العبء“ وتنتهي بـ“مرحلة المعيّة“، وهي كالتالي:

* مرحلة العبء: يجد المصلي الصلاة ثقيلة، ويؤديها بتكاسل.

* مرحلة المراءاة: يصلي ليراه الناس، ويحذر من اتهامهم له بالتقصير.

* مرحلة إسقاط الفريضة: يؤدي الصلاة كواجب دون خشوع، ولكنه يحرص على عدم تركها.

* مرحلة التعود: تصبح الصلاة عادة لا يُمكن تركها، وينتظم يومه حولها.

* مرحلة المناجاة: يشعر بحاجة شخصية للصلاة، فيدعو الله ويشكره في كل أحواله.

* مرحلة „أرحنا بها يا بلال“: يجد الراحة والسكينة في الصلاة، ويكثر من النوافل.

* مرحلة المعيّة: يشعر بقرب الله في كل وقت، وتصبح الصلاة لحظة اتصال روحي عميق.

● يجب على المسلم أن يترقى في مراحل الصلاة حتى يصل إلى مرحلة „المعيّة“، حيث يصبح الله محور حياته.

„الصلاة من أعظم أسباب انشراح الصدر، وراحة القلب، ولذة الروح“.

وقيل: „يا ابن آدم، صلِّ ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور“.

6. الارتقاء الروحي عبر الطاعات: الإسراء والمعراج رحلة روحية فريدة تُظهر كيف يكرم الله عباده بالطاعات والقرب منه. الصلاة التي فُرضت في هذه الرحلة دليل على أن الطاعة ترفع المؤمن درجات.

● الطاعات ليست مجرد تكاليف، بل هي وسائل للارتقاء الروحي، فيجب أداءها بحب وإخلاص.

7. تذكير الأمة بالرسالة العالمية للإسلام: اختيار المسجد الأقصى كوجهة للإسراء يرمز إلى عالمية رسالة الإسلام، فهو رابط بين أمة محمد ﷺ والأمم السابقة.

● الإسلام دين عالمي، ويجب تربية الأبناء على الانفتاح على الآخرين، مع الحفاظ على الهوية الإسلامية.

8. فضل الاستغفار والذكر: قال النبي ﷺ في المعراج: “ عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً: «لما عُرِجَ بي مَرَرْتُ بقوم لهم أظْفَارٌ من نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُم فقلت: مَنْ هؤُلاءِ يا جِبْرِيل؟ قال: هؤلاء الذين يَأكُلُونَ لحُوم الناس، ويَقَعُون في أعْرَاضِهم!“ (رواه أبو داود وأحمد). كما رأى منافع الذكر والاستغفار في الدنيا والآخرة.

● تربية النفس على ترك المعاصي كالغيبة، والإكثار من ذكر الله والاستغفار طلبًا لرحمته.

9. التوازن بين الدنيا والآخرة: رحلة الإسراء والمعراج تُبرز ضرورة التوازن بين السعي في الدنيا والعمل للآخرة، حيث رأى النبي ﷺ أمثلة لأشخاص أضاعوا هذا التوازن.

● تعليم الأبناء قيمة الوقت والعمل الدنيوي بشرط ألا يكون على حساب الآخرة، وأن تكون نية كل عمل خالصة لله.

10. العلاقة بين العلم والإيمان: في هذه الرحلة، رأى النبي ﷺ من آيات الله الكبرى، مما يبرز العلاقة بين التفكر في الآيات الكونية وتعميق الإيمان.

● يجب تعليم الأبناء الجمع بين العلم الشرعي والكوني، والتأمل في خلق الله لتعزيز الإيمان.

11. الأخلاق والجزاء العادل: ما رآه النبي ﷺ من مشاهد عذاب ونعيم يؤكد عدل الله المطلق.

● غرس القيم الأخلاقية في الأبناء، وتذكيرهم بأن الله يُجازي كل إنسان بعمله.

12. الإيمان بالغيب: في رحلة المعراج، رأى النبي ﷺ الجنة والنار، وشهد مناظر عجيبة من العذاب والنعيم. قال ﷺ: „اطَّلَعْتُ في النَّارِ فرأَيْتُ أكثَرَ أهلِها النِّساءَ واطَّلَعْتُ في الجنَّةِ فرأَيْتُ أكثَرَ أهلِها الفُقراءَ“ (صحيح البخاري ومسلم).

● الإيمان بالغيب ركن من أركان العقيدة الإسلامية. يجب على المسلم تصديق ما أخبر به النبي ﷺ من أمور الغيب كالجنة والنار، والتأمل في هذه الحقائق لترسيخ التقوى والخوف من الله.

اللهم اجعلنا من مقيمي الصلاة، وارزقنا بها الراحة والطمأنينة، وبلغنا أعلى مراتب القرب منك يا أرحم الراحمين

 

الشيخ محمد العوّامي
عضو في إدارة المجلس الأوروبي للقرآن الكريم
عضو في إدارة الهيئة الألمانية للقرآن الكريم